توثيق انتهاكات جبهة النصرة في سوريا
documentation Jabhat Nusra Violations in syria

openDemocracy :نساء المهاجرين..مين زوجك؟

مع بداية عام ٢٠١٣ بدا مصطلح “المهاجرون” أكثرَ وضوحاً في سوريا، وهم المقاتلون الأجانب الذين قدموا للانخراط في صفوف التنظيمات الإسلامية المسلحة.

تشير دراساتٌ إلى أن أعدادهم تتجاوز الـ 80 ألف مهاجر، من جنسيات مختلفة تتراوح أغلبها بين تونس والسعودية وأفغانستان وتركستان وألمانيا وبريطانيا وفرنسا.

معظمهم انضم إلى تنظيم داعش بعد تشكيله في نيسان عام ٢٠١٣، بينما انضوى بعضهم في صفوف تنظيمات أخرى كجبهةِ النصرة المعروفة حالياً بتنظيم “هيئة تحرير الشام” و”حزبِ التركستان الإسلامي”.

وعادةً ما تكون الخطوة الأولى للمهاجر بعد وصوله إلى سوريا، هي البحثُ عن امرأة للزواج منها قبل التوجه إلى جبهات القتال، ولأسباب عدة سنُوضِحُهَا في هذا التحقيق تَقبَلُ المرأةُ السورية هذا النوع من الزواج.

الواقع المحلي

شجن

“شَجَن”، التي فضلت استخدام اسم مستعار لتروي قصتها، هي خريجة جامعية عانت من أرقٍ مستمرٍ لسماع عبارة عائلتها المعتادة “فاتك سن الزواج وأصبحت عانس” بعدما وصلت لسن الثامنة والعشرين من عمرها من دون زواج، قبل أن يتقدم إليها مهاجر مصري يقاتل في صفوف تنظيم هيئة تحرير الشام ويطلب يدها.

وبسبب تردي أوضاع عائلتها المادي جراء الحرب المندلعة في سوريا، وخسارة شجن لعملها الذي كانت تعيش منه، بالإضافة إلى اعتقادها أن هذه هي فرصتها الوحيدة لتقول لعائلتها “لا.. لست عانس”، قبلت شجن بالزواج من المهاجر المصري.

وفي غضون أسبوع واحد من العام ٢٠١٦ كانت شجن في عشها الزوجي مع شخص لم تكن تعرف عنه حتى اسمه. فقد كان يكنّى بأبي فلانٍ المصريّ، والذي فضلت شجن عدم ذكر لقبه أيضاً.

تقول شجن: “تجربة الزواج من مقاتل هي تجربة صعبة للغاية، فكيف لو كان مهاجراً أيضاً!” وعند سؤالها عن خصال زوجها، قالت: “لقد كان رجلاً لئيماً، متعصباً، ومتمسكاً برأيه، وعديم ملكات الحوار والنقاش. كما أنه أجبرني على وضع النقاب ولبس العباءة اللتان لم أكن أرتديهنّ قبل الزواج.”

لم تنشئ شجن في عائلة محافِظة دينيّاً كي تتأقلم بسهولة مع هذا التطرف، لكنها وقعت ضحية عادات المجتمع الذي تعيش فيه وتقاليده، وضحية قلة معرفتها بخلفيات المقاتلين الأجانب الوافدين والتداعيات السياسية لهم. وعلى حد قولها، فإن أحد أسباب اقتناعها بالزواج منه، هو أنها كانت تتطلع لحياة كريمة خارج سوريا في حال قرر زوجها العودة إلى بلده مصر.

ومع مرور الأسبوع الثاني من زواجها بدت المشاكل أكثرَ وضوحاً، ولم يجد الحوارُ والتفاهم سبيلاً في حياة شجن الجديدة. أخبرت عائلتها برغبتها في الطلاق، إلا أنه أن قبل أن تصرح شجن بذلك لزوجها، لقي مصرعه في معركة ضد قوات النظام السوري.

تعقب أخيراً شجن “زواجي من مقاتل أجنبي كان أكبر خطأ في حياتي، وموتُه كان الرحمة الأكبر لي.”

أم وليد

لقد كان غريباً سماعُ أم وليد، من ريف حلب الجنوبي، وهي تكلم ابنها الذي لم يتجاوز الثالثة من عمره بالعربية الفصحى عندما التقينا بها في إدلب منتصف العام ٢٠١٧. وبعد سؤالنا لها عن السبب، أخبرتنا أنّ والده أوصاها بهذا قبل أن يرجع لموطنه.

زوجها البريطاني الأصل، يحملُ أيضاً الجنسية التركية، قاتل في صفوف هيئة تحرير الشام في إدلب شمالي سوريا، ثم عاد إلى بريطانيا بعد أشهرَ قليلةً من زواجه بأم وليد، تاركاً لها جنيناً يقترب يوماً بعد آخر من الخروج لعالم سيتعبه في رحلة البحث عن والده.

لكنّ أم وليد مقتنعةٌ أنّ زوجها سيعود إلى سوريا أو يرسلَ خلفها إلى بريطانيا بحسب ما أضافت، قبل أن ترحل بعد أشهر قليلة من التقاءنا بها إلى الرقة، بناءً على طلب من زوجها، بحسب  مقربين منها.

 

أم صالح

وبالمخالفة مع أم وليد، تشعر أم صالح، ابنةُ ريف إدلب، بخطرِ كونِ ابنها مجهول الهوية، وغير مقبول في النفوس الرسمية (السجل المدني)، فهي تعتبر أن حياة طفلها في مجتمعٍ كما المجتمع السوريِّ مرهونةٌ بمعرفة أصله ونسبه.

في أواخر العام ٢٠١٦، أجبرتِ الظروفُ الماديةُ السيئة ومرضُ والدِها المزمنُ أمَ صالح على القَبول من الزواج بأبي عبد العزيز. هو مهاجر تركستانيّ  يقاتل في صفوف حزب التركستان الإسلامي، يبلغ من العمر خمساً وثلاثين سنة، بينما لم تتخطَ أم صالح الثامنة عشر من عمرها.

وبعد زواجها منه وصفته لنا بعبارات تشابه وصف شجن قائلةً: “كان بخيلاً، وشديدَ الضرب وشكّاك.” وبحسب ما أفادت فإنها قد تعرضت للتعنيف من قبله عند رفضها أخذ حبوب الإجهاض، لأنه لم يكن يريد إنجاب أطفال في سوريا. إلا أنها أصرت على الامتناع عن أخذها امتثالاً للشرع الإسلامي، ليهجرها ويطلقها لاحقاً.

والدة أم صالح، التي تعتبر نفسها الملامة في هذا الزواج تقول لنا أن الزواج من أجنبي غير محبذٍ في المجتمع السوري، وأنها لم تكن راضيةً عنه في البداية قبل أن تقتنع لاحقاً “بحسن خُلُقِه وإيمانه وقربه من الله عز وجل” على حد تعبيرها، وهي الصفة الداعمة للقرار والمشتركة في جميع الحالات السابقة.

طرق زواج السوريات من المهاجرين

وبحسب تصريح الشبكة السورية لحقوق الإنسان في حديث خاص، فإن الزواج من جهاديين أجانب “مهاجرين” يتم عبر طريقتين:

الأولى هي الطريقة التقليدية، حيث يتقدم الجهاديُّ بطلب زواج الأنثى من عائلتها، والتي يستدل إليهم بطرقٍ مختلفة، كأن يخبره أحد عناصره المقاتلين بوجود قريبة لديه مناسبة للزواج، أو عبر أشخاص محليين تربطهم علاقات بالجهاديّ الراغب بذلك.

أما الطريقة الثانية، فتكون عبر المعاهد الشرعية التابعة للتنظيم الإسلامي الذي ينتمي له المقاتل. يترك الجهاديّ خبراً بنيته الزواج، ثم تتقدم له الراغبات من النساء، وبعد اختياره يتقدم بطلب الزواج من عائلتها.

وعن الدوافع تقول الشبكة السورية: “في إدلب لاحظنا عدم وجود زواج قسريّ بالمعنى العام، لكن ما يحصل هو أن يقوم المهاجر باستغلال ظروف الأنثى. فإن كانت من عائلة فقيرة قام برفع مهرها وإعطاءه للعائلة لتحسين أوضاعهم. وإن كان الأنثى أرملة أو مطلقة، فغالباً ما تشكل عبئاً ماديّاً واجتماعياً على عائلتها فيتم تزويجها. وأيضاً لاحظنا زيجات تمت لدوافع دينية حيث تقوم العائلة بقبول زواج الأجنبي من ابنتها كونه مهاجر، وتزويجه يحمل الأجر بالمفهوم الديني.

كما أن بعض الزيجات تمت بدافع الحماية، فتلجأ العائلة إلى القبول بالزوج المهاجر لما لديه من قوة وسلطة تحمي الزوجة وعائلتها، وتمنحهم القوة في المجتمع المحلي. أما عن المرأة فهي تجد نفسها أمام خيار الموافقة على هذا النوع من الزواج كي لا تصطدم مع عائلتها، ولأملها أن يحمل لها هذا الزواج وضعاً مادياً واجتماعياً أفضل.”

أرقامٌ وردودُ أفعالٍ مدنية

ولحساسية القضية فإنه لا توجد أرقام دقيقة لحالات زواج النساء من مقاتلين مهاجرين في سوريا، لكن إحصاءات الشبكة السورية لحقوق الإنسان في محافظة إدلب، أشارت إلى ما يربو عن ٨٣٦ أنثى تزوجن من مهاجرين جهاديين، بينهم ٩٣ طفلة، بينما تشير أرقام حملة «مين زوجك» إلى وجود نحو ١٧٥٠ حالة زواج في المحافظة ذاتها، أكثر من ١١٠٠ منهنّ أصبح لديهنّ أطفال، وتجاوز عدد الأطفال ١٨٠٠ طفل.

وقد انطلقت مؤخراً حملة «مين زوجِك؟» منتصف شهر كانون الثاني/يناير من العام الحالي، ضمن نطاق محافظة إدلب والمناطق المتصلة بها، لتوعية النساء وأولياء الأمور، وأصحاب القرار المحليين، ورجال الدين والقانون المعنيين، بتنظيم عقود مثل هذا النوع من الزواج، بحسب عاصم زيدان، المنسق العام للحملة، ويضيف: “أهم الآثار السلبية والناجمة عن زواج السوريات من مهاجرين هي مستقبل الأطفال وهويتهم، فهم حكماً وقانوناً مجرّدون من الحقوق المدنية السورية، ومن أهم هذه الحقوق: الهوية والتعليم، إضافة لتعلق هؤلاء الأطفال بشيء من الموروث الغير سليم المرتبط بآبائهم.”

كما ومن النتائج السلبية أيضاً التي تحدث عنها زيدان، الوضع النفسي والصحي والعائلي لنساء زيجات هذا النوع، خاصةً وأن نسبةً كبيرة من هؤلاء المهاجرين تركوا زوجاتهم إما بعودتهم لبلدانهم الأصلية، أو انتقالهم مع تنظيماتهم لمناطق مختلفة، أو بمقتلهن في حالات أخرى.

إثر ذلك تبقى الزوجة غالباً دون معيل، وأمام مواجهة تحدياتٍ عديدة على المستوى النفسي والاجتماعي والأسري.

وعن موضوع ترك الأزواج لزوجاتهن، تعتبر الشبكة السورية أنه يمكن القول أنّ ٥٢% من حالات الزواج هذه انتهت بطرق مختلفة. و للتنويه فإن الأرقام الواردة في هذا التحقيق تشير لمحافظة إدلب فقط على وجه الخصوص، حيث يعتبر الخوض في هذه القضية في دير الزور والرقة من الخطوط الحمراء، وتأخذ منحىً عشائري متعلق بالشرف، ولا يُسمح بالحديث عنه بحسب المفهوم السائد في تلك المناطق.

قد يعجبك ايضا